أبي حيان التوحيدي

142

المقابسات

4 مقابسة [ في الناموس الإلهي ووضعه بين الخلق ] سمعت ابن مقداد يقول : لا بد في وضع الناموس الإلهي الذي يتوجه به إفاضة الخير ، وترتيب السياسة ، وما يورث سكون البال ، ويحسم مواد الشر ، ويوطد دعائم السنن ، ويبعث على تشريف النفوس وتزيين الأخلاق ، ويقرب الطريق إلى السعادة المطلوبة ، ويواصل أسباب الحكمة ، ويشوق الأرواح إلى طلب الحق وإيثار العقد ، ويقدم دواعي العدل والنّصفة والرحمة والمكرمة من الأخبار التي تنقسم بين ما هو صدق محض ، وبين ما هو صدق ممزوج ، وتكون الألفاظ التي تدور بها ، واللغات التي ترجع إليها ، كثيرة الوجود ، سمحة عند التأويل ، وإنما وجب ذلك لأن الناس في أصل جبلتهم وبدء خلقهم وأول سنخهم ، قد افترقوا مجتمعين ، واجتمعوا مفترقين ، واختلفوا مؤتلفين ، وائتلفوا مختلفين ، وإحساسهم متوقدة ، وظنونهم جوالة ، وعقولهم متفاوتة ، وأذهانهم عاملة ، وآراؤهم سانحة ، وكل منهم منفرد بمزاج وشكل وطباع وخلق ونظر وفكر ، وأصل وفرع واختيار وإلف وعادة ، وضراوة ونفرة ، واستحسان واستقباح ، وتوق ووقفة وإقدام وجسارة ، واعتراف وشهادة ، وبهت ومكابرة . هذا سوى أعراض كثيرة مختلفة لا أسماء لها عندنا خالصة ، ولا صفات متميزة قال : ومثل هذا كمثل رجل أصلح طعاما كثيرا واسعا مختلفا من كل لون وجنس ومذاق ورائحة ووضع وقصد وحرارة وبرودة ، وحلاوة وحموضة ، ونصبه على مائدة واسعة عظيمة ، فجمع ذوى عدد جم ، فمتى